قطرة من بحر التاريخ

منتدى شامل لكل جوانب الحياة ( المجتمع والدين والتاريخ والفن والرياضة والعلوم والتكنولوجيا )

 
الرئيسيةالبوابةبحـثس .و .جالتسجيلدخول


شاطر | 
 

  موظف اليوم السابع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
المدير العام
المدير العام
avatar

الدولة : العراق
الجنس : ذكر
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : المدير العام
الموقع الموقع : قطرة من بحر التاريخ
الأوسمه :



عدد المساهمات : 744
تاريخ الميلاد : 09/02/1975
العمر : 43
الابراج : الدلو
تاريخ التسجيل : 17/04/2011
المزاج المزاج : معتدل

http://tareekh.mam9.com
مُساهمةموضوع: موظف اليوم السابع    2017-09-16, 1:58 pm

موظّف في اليوم السّابع



أعلن مدير الشّركة عن حاجته إلى موظّف مساعد يقوم بالمهمّات المتعدّدة على أكمل وجه. لحسن حظّ أحد قارئي الإعلان، فقد كان القبول من نصيبه لأنّه يستوفي الشّروط المعلن عنها.



ما إن ودّع الفجر خيوطه، حتّى جلس يراقب عقارب السّاعة حاثّا إيّاها على الإسراع، وهي تسير في جنازة السّاعات الثّلاث المتبقّية؛ كي تفتح الشّركة أبوابها.



انتظر حتّى تمّ استدعاؤه للقاء المدير الذي ركّز اهتمامه على أن يلتزم الموظّف المساعد بجميع ما يطلب منه؛ لأنّ موظفا واحدا ناجحا يستطيع القيام بواجباته جميعها أفضل من توزيعها على عدّة موظّفين، مثلما جرى سابقا. 



المهمّة شاقّة خصوصا، وأنّ معظم روّاد المكان ممّن تنحني لهم الهامات وترتسم قبالتهم البسمات!



ناوله المدير مغلّفا يحوي مواصفات الموظّف النّاجح الذي تحتاجه الشّركة، وأخبره أنّه تحت التّجربة حتّى يثبت النّجاح...



"ها هي الشّركة أمامك واللّبيب من الإشارة يفهم، وغدا أوّل أيام التّجربة... أمامك أسبوع ولا حاجة أن تكثر من الاستفسارات" .



بدأ يومه الأوّل بهمّة ونشاط ، بعد أن بات ليلته مخطّطا كيف سيفوز بالوظيفة. دخل غرفة المدير قبل قدومه مرتّبا إيّاها؛ لأنه لم ير من يقوم بذلك. نظر إلى كلّ الزوايا بحثا عن ذرّات الغبار التي خالفت أوامر المدير ودخلت مكتبه. نضّد كلّ ما تبعثر ، خرج واستقبل القادمين إلى الشركة، ورافقهم إلى غرفة المدير، كلّ حسب موعده، ثم ودّعهم وهو ينظر بعين الرّضا تجاه نفسه.



طلب تقييما آخر النهار، بعد أن أخبر المدير أنّه يرغب في معرفة رأيه كلّ يوم، ويعتذر إن كان في ذلك إزعاج له .



جاء الرّد غير مُرضٍ : "ما زال باكرا كي تأخذ ما تريد. فأنت في أولى خطواتك". سأله: وما المطلوب منّي حضرة المدير المحترم؟ 



أجاب: قلت لك: "إنّ اللّبيب من الإشارة يفهم" . 



في اليوم الثّاني وسّع دائرة اهتمامه بالتّرتيب والنّظافة . حيث ردّ على الهاتف بثقة وهدوء، وحرص على أن يسود النّظام عند طلب مقابلة المسؤول دون تمييز بين الطّالبين، فأعجِب الزائرون بنظافة المكان وحسن الضّيافة، حيث حرص على إكرام "الزّبائن" بتقديم الماء والعصائر.



وقف بعد أن أنهى دوامه لسماع كلمة نظيفة نظافة المكان والعمل، فقرأ ما خطّه المسؤول على عجل: "أنت بحاجة إلى الكثير بعد"...



في اليوم الثالث، قرّر أن يحسّن من هندامه، بعدما لاحظ أنّ عيون الزّائرين تنظر إليه خلسه وتفرّ منه قفزا... حدّثه عقله بأهميّة أن يرتدي الملابس الرّسمية ، كتلك التي يُحتَجز داخلها أكثر الوافدين. 



بدا بياض قميصه النّاصع من بعيد ولم يشِح أحد بوجهه عنه عندما قام بعمله، ولكنّ في الأمر بعضا من المضايقة بالنّسبة له ، فقد حرص طيلة الوقت على ألّا تترك بعض اللّوثات أثرها على ملابسه، التي كلّفته المال الذي اقترضه من أبيه ووعده بإرجاعه عندما يستلم وظيفته! 



زلف نحو باب المدير ودقّات قلبه تخترق خشب الباب. استأذن فلم ير ما يسرّه، إذ رفع له المدير حاجبيه غير معجب، فجاهد كي يرفع قلبه الذي أحس أنّه يهوي من بين ضلوعه وخرج... 



في اليوم الرّابع، اتّخذ قرارا بأن يشرك لسانه ويتعبه، فالأمر يحتاج إلى لسان معسول، وخير الكلام لإرضاء الأنام. 



بدأ يومه بتحيّة لمديره، تبثّ ذبذبات حروفها مشاعر تقدير وتبجيل. وقضى الساعات يرحب بالزّائرين بكلمات معجونة بزخرف الحروف، ممّا أثار دهشتهم. فمنهم من أثنى عليه وشكره، ومنهم من اكتفى بالرّدّ بابتسامة تمثيليّة تقديرا لمجهوده!



اعتصرت كثرة الكلام غدده اللّعابية، فأحسّ بيبس في فمه. لم يتنازل ورطّب ريقه بشرب الماء، بعد أن فشلت الكلمات المعسولة بترطيب فمه ونجحت بترطيب عواطف الآخرين.


شارف الوقت على النّفاد، غمره شعور بالفرح وبلّل جفاف حلقه استعدادا لمقابلة المسؤول الذي سيثني عليه مثلما فعل الزائرون. 



دلف نحو الغرفة ، تريّث قبل الاستئذان في الدخول حتّى يهدأ اهتزاز جسمه المفعم بالرّضا والفرح.



التقت عيناه بعينيّ المسؤول، فعاوده جفاف حلقه، مسبّبا هذه المرّة غصّة لم يستطع ابتلاعها، وكادت تؤدي إلى اختناقه؛ لولا أن نضخ المدير في وجهه جملة تنفّس من خلالها بعض الهواء الذي ساعده على الثّبات في مكانه: 



"لا بأس أمامك متّسع من الوقت" 



غادر الغرفة متعثّرا بكلمات ترحيبه التي بذرها معسولة في وجوه النّاس، ويبدو أنّها لم تؤت سحرها.



لم يقهر. أراد التّحدي وإثبات ذاته دون أن يسال المدير عمّا يريده بالتّحديد، فهو سيثبت أنّه لبيب مثلما توقّع منه وسيتدبّر أمره. 



في اليوم الخامس، فطن إلى أنّه يهتم بمن يطلبون المدير ويعمل على إراحتهم وتدليلهم ، ولكنّه لم يفطن لحاجات المدير الأساسيّة. حيث يستقبله ويرافقه حتى يبدأ يلوح على كرسيّه ويتركه ليلوح بين زائريه، دون أن يسأله عن طلباته الخاصّة ؛لأنّه نبّهه الّا يكثر من الأسئلة . لكنّه الآن سيتجرّأ ويسأله: 



هل تحبّ أن أحضر لك طعام الغداء؟ فأنا ألاحظ أنّك مشغول، ولا تجد الوقت للخروج لتناول طعامك. أجابه: "إنّ اللبيب من الإشارة يفهم"!. 



خرج والسّعادة تغمره ؛ لأنّه اعتقد أنّ مفتاح باب رزقه بات في متناول يده. قام بكلّ ما يقوم به كلّ يوم، وأضاف إلى القائمة الاهتمام بمَعدة المدير الذي ناوله ورقة بما يحبّ من أطعمة، ومن أين تجلب...



في طريقه لجلب الطّعام، انتبه لحشود الناس تقف أمام عمارة البريد، فكانت إشارة له كي ينتبه لبريد المدير، فازداد فرحه؛ كونه أحسّ أنّ مهمّات العمل قد اكتملت. 



قدّم له الطّعام وكأنّه الملك. سأله عمّا اذا كان بحاجة لأن يرسل لبعض زبائنه تفاصيل الصّفقات، إن لم يتمكن من إرسالها عبر النّاسوخ بعد أن كان يطبع مضمونها على الآلة الطّابعة الحديثة التي أعجب بنفسه عندما تمكّن من استعمالها دون مساعدة!



لمعت عينا المدير فرِحا، وحرّك كرسيّه معجبا؛ لأنّ من يكلّمه بدأ يفهمه دون أن يطلب منه، فيكفيه الحديث وزبائنه، ولا يريد أن يبذل جهدا مع من يساعده. 



ودّعت ساعات الإجهاد النّهار، فهرول تجاه باب المكتب ناسيا الاستئذان، ليجد نفسه أمام الطاولة ومنتظرا من مديره ،أن يرحّب به موظفا ومساعدا ثابتا.



نظر إليه مبتسما وطلب منه الجلوس قائلا: سأمنحك بعضا من وقتي أكون فيه لك ناصحا، وإلى تكرار ذلك لست راغبا؛ سيّما وأنّ قدمك الأولى قد بدأت الثّبات في المكان، وما عليك سوى تثبيت الثّانية. 



سرّ لأن فيما سمعه تباشير القبول. كانت معظم حوّاسه على أهمية الاستعداد منتظرة انطلاق لسان المدير: 



لا حاجة ان تطبّق قوانين التزامك بدقّة مع من يريدون مقابلتي. ذكاؤك يساعدك في تحديد من يمكنه الدّخول دون استئذان. الناس ليسوا سواسية. يجب أن تنتبه! ... بعض الوافدين ليسوا بحاجة إلى بذل طاقة لإسماعهم جملا خطابيّة بلغية لدى تشريفهم، وفّر هذه الطّاقة لمن يحتاجونها . وهم كُثر... هناك من يدخل وواجب عليك النّهوض احتراما لاستقباله، واستئذانه لإراحته من حمل حقيبته... والدّقة مطلوبة حين أطلب منك تلبية بعض طلبات الزّبائن. 



هزّ رأسه مبديا موافقته، تدعمه في ذلك ابتسامة تشرح فرحه وعدم الشّعور بثقل الحمل ... 



بات ليلته مفكّرا كيف ستميّز فطنته بين المستحقّين دون غيرهم في الدخول الى غرفة المدير مباشرة، ومعظم قارعي الباب هم من التّجار ورجال الأعمال؟! ... السّبب الذي جعله يحرص في بداية تجربته على مرافقة الوافدين، كلّ حسب موعده ودوره؛ اعتقادا منه أنّ في ذلك اتّباعا للنّظام، واحتراما لكلّ من يدخل المكان.



في اليوم السّادس، غرّدت عصافير مشاعره عندما اقترب من بوّابة الشّركة؛ لأنّه أحسّ أنّه سيعلّق المفتاح في مكان دائم . 



دخل وثوب النشاط يرتديه، وأحبّ أن يغمر نشاطه العمارة كلّها ، فقام بما تدرّب أن يقوم به، وسارت أموره على خير ما يرام مستخدما كلّ حواسّه ليميّز بين الناس ومقاماتهم ومنزلاتهم؛ لأنّ "الناس ليسوا سواسية" ! فمنهم من له المقام المعلوم، وبالجاه اسمه مختوم، مثلما فهم ، ولكنّ هذه الحواسّ اختلطت عليه تقديراتها حين دخلت ثلاث سيدات أنيقات متعاقبات تطلب كلّ واحدة منهنّ مقابلة المدير للضّرورة ، فيما يجلس ضيفان تعكس ملابسهما وسيجارهما أنّهم على قدر من القيمة... 



حارَ فيما يفعل وشغّل فطنته التي أرشدته لوجوب احترام هؤلاء النّسوة، كونهن أولّ النساء اللواتي يدخلن إلى الشّركة منذ دخلها ، فلا شك أنّهن ذوات شأن، ولياقة التّصرف تقول إنه يجب طلب السّماح من الرّجلين لإكرامهن...



أتمّ يومه، ورغم الإجهاد الذي أحسّ به لم يفقد حلاوة الرّكض إلى مكتب مديره موقنا استلام الموافقة على تعينيه وشكره على مساعيه، إلا أنّ مرّ وسواد الملاحظة التي برقعت وجهه، أنسَتْه طعم الحلاوة، وجعلته يترنّح ترنّحا كاد يفقده وقوفه . فهو لم يكن لبيبًا حين سمح للفتيات المتقدّمات بطلبات للعمل أن يدخلن قبل رَجُلي الأعمال!. لاحظ المدير امتقاع وجهه وعدم توازنه، فنضح وجهه برطب كلامه : 



"سأغفر لك هذه الزلّة شرط ألّا تكرّرها..." 



عاود شدّ أعصابه التي تراخت خوفا من إضاعة فرصته الأولى في الفوز بعمل، بعد أن بذل الكثير في الأيام الخوالي.



في اليوم السّابع، بدأ يومه حريصا على ألّا تبدر منه زلّة، ولا تصدر عنه هفوة، فكان القردَ في سرعة حركاته ، وانجاز مهمّاته :الهاتفيّة والكتابيّة والحاسوبيّة والخدماتيّة وغيرها... يقفز من مكان لمكان مصفقّا تارة لبعضهم، ومبتسما أو مقهقها طورا " فالناس ليسوا سواسية" ويجب منع غياب ذلك عن باله، ويتطلّب عمله اليوم أن يكون حكيما ولبيبا بعد خطأ الأمس ! . إنّه يوم تقرير المصير وأيّ مصير؟... مصيره ومصير عائلته التي وعدها أن تمدّ أرجلها حسب أطوالها بعد أن عاشت طويلا تحت لواء المثل القائل: "على قد فراشك مدّ رجليك". 



لقد سئم وأهله الرّضا بالقليل... لذا يجب أن يفي بوعده . 



أحسّ بالتّعب يصارعه عندما شارفت ساعات عمله على الانتهاء ولكنّه لم يكن متحمّسا لمقابلة المدير كما فعل سابقا، بل جرّه التّعب للرّاحة قليلا ، فهدأ الجسم والفكر، ودعاه الفكر ليرتشف قهوته التي أعدّها له؛ ليصحو من سكر تعبه قبل الذّهاب ومعرفة قرار المدير. ابتسم ومشى بتؤدّة إلى حيث اعتاد أن يركض كلّ آخر نهار . 



دقّ الباب متمهّلا . ألقى التّحيّة . وقف حتّى طلب منه الجلوس . نظر إليه المدير معجبا وقدّم له - وأسارير وجهه منبسطة - التّهنئةَ متمنيا له دوام العمل الدؤوب ... 



بريشة الفنان القدير رسم وجها ذا خطوط باسمة، وأمطرت شفتاه وابلا من كلمات الشّكر والتّقدير، فيما كان يرسم بمداد شرايينه على لوحات جسمه:



عفوا أيّها الفكر، إنّ حياتي تتطلب كوني قردا وعضوا في حزب المنافقين الإجتماعيين! لكن، أعدك أنّ ذلك لن يدوم طويلا...















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
موظف اليوم السابع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قطرة من بحر التاريخ :: القصص والروايات الجميلة الهادفة :: القصص والروايات الجميلة الهادفة-